فخر الدين الرازي
227
تفسير الرازي
وإلا فلا سبيل إلى معرفته . واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحداً من الخلق على وقته المعين ، فقال : * ( إن الله عنده علم الساعة ) * ( لقمان : 34 ) وقال : * ( إنما علمها عند ربي ) * ( الأعراف : 187 ) وقال : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) * ( طه : 15 ) فلا جرم . قال تعالى : * ( قل عسى أن يكون قريباً ) * قال المفسرون عسى من الله واجب معناه أنه قريب . فإن قالوا : كيف يكون قريباً وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر ؟ قلنا : إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريباً قليلاً ، ثم قال تعالى : * ( يوم يدعوكم ) * وفيه قولان : الأول : أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ما قبل هذه الآية كله خطاب مع الكفار ، ثم نقول انتصب يوماً على البدل من قوله قريباً ، والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفحة الأخيرة كما قال : * ( يوم يناد المناد من مكان قريب ) * ( ق : 41 ) يقال : إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه وتكوينه ، وقال تعالى : * ( يوم يدع الداع إلى شيء نكر ) * ( القمر : 6 ) وقوله : * ( فتستجيبون بحمده ) * أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة ، وقوله : * ( بحمده ) * قال سعيد بن جبير : يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون : سبحانك وبحمدك ، فهو قوله : * ( فتستجيبون بحمده ) * وقال قتادة بمعرفته وطاعته ، وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم . فلهذا قال المفسرون : حمدوا حين لا ينفعهم الحمد ، وقال أهل المعاني : تستجيبون بحمده . أي تستجيبون حامدين كما يقال : جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال صاحب " الكشاف " : بحمده حال منهم أي حامدين ، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر ، أي ستنتهي إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل وهذا يذكر في معرض التهديد . ثم قال : * ( وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً ) * قال ابن عباس يريد بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت ، والدليل عليه قوله في سورة يس : * ( من بعثنا من مرقدنا ) * ( يس : 52 ) فظنهم بأن هذا لبث قليل عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين ، وقال الحسن : معناه تقريب وقت البعث فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة ؛ لأنه لما كانت عاقبة أمرهم الدخول في النار استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة .